أحمد بن محمد القسطلاني
222
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
استحيا يستحيي على وزن يستفعل ، ويجوز فيه مستحي أي بياء واحدة من استحى يستحي على وزن مستفع ، ويجوز مستح من غير ياء على وزن مستف ( ولا مستكبر ) يتعاظم ويستنكف أن يتعلم العلم ويستكثر منه وهو أعظم آفات العلم ، فالحياء هنا مذموم لكونه سببًا لترك أمر شرعي وليست لا ناهية بل نافية ومن ثم كانت ميم يتعلم مضمومة . ( وقالت عائشة ) رضي الله عنها مما وصله مسلم ( نعم النساء نساء الأنصار ) برفع نساء في الموضعين ، فالأولى على الفاعلية ، والثانية على أنها مخصوصة بالمدح والمراد من نساء الأنصار نساء أهل المدينة ( لم يمنعهن الحياء ) عن ( أن يتفقهن ) أي عن التفقه ( في ) أمور ( الدين ) . 130 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : « جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ ؟ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ . فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِي وَجْهَهَا - وَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا ؟ » . [ الحديث 130 - أطرافه في : 282 ، 3328 ، 6091 ، 6121 ] . وبالسند إلى المؤلف قال ( حدّثنا محمد بن سلام ) بتخفيف اللام على الأشهر واقتصر عليه في فرع اليونينية وهو البيكندي ( قال : أخبرنا أبو معاوية ) محمد بن خازم بمعجمتين الضرير التيمي ( قال : حدّثنا هشام ) وفي رواية ابن عساكر بن عروة ( عن أبيه ) عروة بن الزبير بن العوّام ( عن زينب ابنة ) وفي رواية الأربعة بنت ( أم سلمة ) وأبوها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي ، توفيت سنة ثلاث وسبعين ونسبت لأمها أم المؤمنين أم سلمة بيانًا لشرفها لأنها ربيبته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( عن أم سلمة ) هند بنت أبي أمية زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، رضي الله عنها أنها ( قالت ) : ( جاءت أُم سليم ) بضم المهملة وفتح اللام بنت ملحان بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة والنون النجارية الأنصارية وهي والدة أنس بن مالك ( إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت : يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق ) ليس الاستحياء هنا على بابه ، وإنما هو جارٍ على سبيل الاستعارة التبعية التمثيلية أي أن الله لا يمتنع من بيان الحق ، فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عما أنا محتاجة إليه ، وإنما قالت ذلك بسطًا لعذرها في ذكر ما تستحيي النساء من ذكره عادة بحضرة الرجال لأن نزول المني منهنّ يدل على قوّة شهوتهنّ للرجال ( فهل ) يجب ( على المرأة من غُسل ) بضم الغين وفي رواية من غسل بفتحها وهما مصدران عند أكثر أهل اللغة . وقال آخرون بالضم الاسم وبالفتح المصدر وحرف الجر زائد ( إذا ) هي ( احتلمت ) أي رأت في منامها أنها تجامع ( قال ) وفي رواية أبي ذر وابن عساكر فقال ( النبي ) وفي رواية أبي ذر رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) عليها غسل ( إذا ) أي حين ( رأت الماء ) أي المني إذا استيقظت فإذا ظرفية ، ويجوز أن تكون شرطية أي إذا رأت وجب عليها الغسل ، وجعل رؤية المني شرطًا للغسل يدل على أنها إذا لم ترَ الماء لا غسل عليها . قالت زينب : ( فغطت أم سلمة ) رضي الله عنها أو قالته أم سلمة على سبيل الالتفات من باب التجريد كأنها جرّدت من نفسها شخصًا فأسندت إليه التغطية إذ الأصل فغطيت قال عروة أو غيره ( تعني وجهها ) بالمثناة الفوقية ولابن عساكر بالتحتية وعند مسلم من حديث أنس أن ذلك وقع لعائشة أيضًا فيحتمل حضورهما معًا في هذه القصة . ( وقالت ) أم سلمة ( يا رسول الله وتحتلم المرأة ) بحذف همزة الاستفهام وللكشميهني أو تحتلم بإثباتها وهو معطوف على مقدّر يقتضيه السياق أي أترى المرأة الماء ، وتحتلم ؟ ( قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( نعم ) تحتلم وترى الماء ( تربت يمينك ) بكسر الراء والكاف أي افتقرت وصارت على التراب وهي كلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب . ( فبِمَ ) بحذف الألف ( يشبهها ولدها ) وفي حديث أنس في الصحيح : فمن أين يكون الشبه ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فأيّهما علا أو سبق يكون منه الشبه . وفي هذا الحديث ترك الاستحياء لمن عرضت له مسألة . 131 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَهِيَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ ؟ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَاسْتَحْيَيْتُ . فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا بِهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ النَّخْلَةُ » . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي ، فَقَالَ : لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا . وبه قال : ( حدّثنا إسماعيل ) بن أبي أُويس ابن أُخت إمام دار الهجرة مالك ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( مالك ) الإمام ( عن عبد الله بن دينار ) المشهور ( عن عبد الله بن عمر ) بن الخطاب رضي الله عنهما ثبت ابن عمرو الترضي لابن عساكر . ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي ) وللأصيلي هي بإسقاط الواو ( مثل المسلم ) بفتح الميم والمثلثة وفي رواية مثل بكسر الميم وسكون المثلثة ( حدّثوني ما هي . فوقع الناس في شجر